ابن هشام الأنصاري
16
مغني اللبيب عن كتب الأعاريب
والثاني : أنها إذا كانت في جملة معطوفة بالواو أو بالفاء أو بثم قدّمت على العاطف تنبيها على أصالتها في التصدير ، نحو ( أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا ) ( أَ فَلَمْ يَسِيرُوا ) * ( أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ) وأخواتها تتأخر عن حروف العطف كما هو قياس جميع أجزاء الجملة المعطوفة ، نحو ( وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ ؟ ) ( فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ) ( فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) * ( فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ ) ( فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ ) ( فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ) هذا مذهب سيبويه والجمهور ، وخالفهم جماعة أوّلهم الزمخشري ، فزعموا أن الهمزة في تلك المواضع في محلها الأصلي ، وأن العطف على جملة مقدّرة بينها وبين العاطف ، فيقولون : التقدير في ( أَ فَلَمْ يَسِيرُوا ) * ( أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً ) ( أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ ) ( أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ) : أمكثوا فلم يسيروا في الأرض ، أنهملكم فنضرب عنكم الذكر صفحا ، أتؤمنون به في حياته فإن مات أو قتل انقلبتم ، أنحن مخلّدون فما نحن بميتين ، ويضعف قولهم ما فيه من التكلف ، وأنه غير مطرد [ في جميع المواضع ] أما الأول فلدعوى حذف الجملة ، فإن قوبل بتقديم بعض المعطوف فقد يقال : إنه أسهل منه ؛ لأن المتجوّز فيه على قولهم أقلّ لفظا ، مع أن في هذا التجوز تنبيها على أصالة شئ في شئ ، أي أصالة الهمزة في التصدير ، وأما الثاني فلأنه غير ممكن في نحو ( أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ) وقد جزم الزمخشرىّ في مواضع بما يقوله الجماعة ، منها قوله في ( أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى ) : إنّه عطف على ( فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً ) وقوله في ( أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَ وَآباؤُنَا ) * فيمن قرأ بفتح الواو : إن ( آباؤُنا ) * عطف على الضمير في ( مَبْعُوثُونَ ) * وإنه اكتفى بالفصل بينهما بهمزة الاستفهام ، وجوّز الوجهين في موضع ، فقال في قوله تعالى : ( أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ) : دخلت همزة الإنكار على الفاء العاطفة جملة على جملة ، ثم توسّطت الهمزة بينهما ، ويجوز أن يعطف على محذوف تقديره : أيتولّون فغير دين اللّه يبغون .